عبد الكريم الخطيب
1100
التفسير القرآنى للقرآن
أيديهم كتاب سماوىّ يدعوهم إلى عبادتها ، أو يكون معهم عقل دلّهم عليها ، وأراهم منها ما تستحق به أن تؤلّه وتعبد . . ثم كشفت الآيات بعد ذلك عن موقف هؤلاء المشركين عند استماعهم لآيات اللّه إذا تلاها عليهم قال . . إنهم يضيقون بها ، حتى لتكاد تختنق أنفاسهم منها . . وهنا في هذه الآية ، يضرب اللّه سبحانه وتعالى لهم مثلا مجسما ، يمكن أن يوضع موضع التجربة والاختبار من الناس ، وخاصة المشركين ، وهو أن يدعوا هذه الآلهة جميعها إلى أن يخلقوا كائنا من أضأل مخلوقات اللّه ، وهو الذباب . . فإن فعلوا - ولن يفعلوا - فليكن لهم أن يجعلوها آلهة ، وأن يعبدوها كما يعبد اللّه . . وإن لم يخلقوا جناح ذبابة - وهو ما تكشف عنه التجربة - فإن عبادتهم لها بعد ذلك ، ضلال في ضلال : « أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؟ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ » ( 191 - 192 : الأعراف ) . هذا ، وقد مرّ تفسير هذه الآية في أول هذه السورة ، في مبحث [ الخالق وما خلق ] . قوله تعالى : « ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » . أي أن هؤلاء المشركين ، قد جهلوا قدر اللّه ، ونظروا إليه كما ينظرون إلى ما يكبر في صدورهم ، من مخلوقات ومصنوعات . . فلم يجاوزوا بقدر اللّه ما يرفعه فوق هذه المعبودات ، ويجعلها جميعا عابدة له ، خاضعة لتصريفه فيها ، بل إن ظنّهم باللّه ، جعلهم يجعلونه إلها في مجمع هذه الآلهة ، ومن أحسن الظنّ منهم باللّه ، جعله إلها على رأس هذه الآلهة ، تشاركه الملك والتدبير ، وأن لهم بهذا أن يقربوهم إلى اللّه ، وينزلوهم منازل الرضوان عنده ، وقالوا : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » ( 3 : الزمر ) .